عبد الرحمن بدوي
196
دفاع عن القرآن ضد منتقديه
وافتراض آخر ليس أقل عبثا من هذا وهو افتراض موريس جودفروا ديمومبين ، فبعد أن ذكر الآيات السابقة على هذا الشكل المختصر الآتي : « وقال فرعون يا هامان أوقد لي على الطين فاجعل لي صرحا لعلى أطلع إلى إله موسى » ثم قال هذه ذكرى نورانية ولا تخلو من خلط ، فهامان هذا كان معروفا بأنه عدو لدود لليهود : وفي الآية القرآنية له صلة بفرعون وقارون أغنى رجل في الأرض وهم ثلاثة مسهم الشيطان كما سجل الشعر العربي القديم « 1 » . هذا النص ليس واضحا لأنه يخلط بين الشخصيات الثلاثة ولا يحدد في أي شئ يكون هذا الخلط الذي يتحدث عنه ، وهو أقل وضوحا من نولدكه ، ومن ناحية أخرى فإن القول بأن هامان كان معروفا بأنه عدو لدود لليهود لا يوضح لما ذا اعتبر في القرآن وزيرا لفرعون ، فلقد كان لليهود أعداء آخرون ألد منه أيضا ومذكورون في التوراة ولكن القرآن لم يذكر عنهم شيئا ومن باب أولى لم يلحقهم بفرعون . إذا فكلام جود فرواديمومبين أكثر غباء أيضا وينم عن غموض مطبق في تفكيره . بعد أن بينا وجه الحق في مزاعم نولدكه جود فرواديمومبين الآن ما هي تلك المشكلة الكاذبة في موضوع هامان : في رأينا أن هامان المذكور في الآيات القرآنية الستة المذكورة آنفا ليس اسم شخص ولكنه لقب للكاهن الأكبر لفرعون ، فلقد علمنا من تاريخ مصر أن الكاهن الأعظم لأمون تقلد بدءا من الأسرة التاسعة عشر سلطة كبيرة من الفرعون انتهت بأنه سيطر على النيل الأعلى وأصبح قائد الجيوش ونائب ملك ( كوش ) والخازن الأعظم للإمبراطورية والمسؤول الأعلى عن أبنية الآلهة « 2 » في الواقع أصبح وزير فرعون في كل الأعمال العامة والأموال « 3 » ، ومن بين الألقاب التي أطلقت على الوزير بتاح حتب نذكر « مراقب جميع أعمال الملك » ( المرجع السابق ) إذا فالكاهن الأعظم لأمون كان يشغل منصب وزير فرعون .
--> ( 1 ) موريس جودفروا ديمومبين - محمد - باريس ( ص 360 ) . ( 2 ) أنظر أ . ه برشتد ، تاريخ مصر ( ص 520 ) . ( 3 ) دوما - حضارة مصر الفرعونية باريس 1965 ص 158 .